ابن خلدون

136

رحلة ابن خلدون

أحنّ إليها حيث سار بي الهوى * وأنجد رحلي في البلاد وأتهما « 322 » ولمّا استقرّ ، واطمأنّت الدّار ، وكان من السّلطان الاغتباط والاستئثار وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار ، أمر باستقدام أهلي من مطرح اغترابهم « 323 » بقسنطينة ، فبعث عنهم من جاء بهم إلى تلمسان . وأمر قائد الأسطول بالمريّة ، فسار لإجازتهم في أسطوله ، واحتلوا بالمرية . واستأذنت السّلطان في تلقّيهم ، وقدمت بهم على الحضرة ، بعد أن هيأت لهم المنزل والبستان ، ودمنة الفلح ، وسائر ضرورات المعاش . وكتب الوزير ابن الخطيب عندما قاربت الحضرة ، وقد كتبت إليه استأذنه في القدوم ، وما أعتمده في أحواله : سيدي ، قدمت بالطّير الميامين ، على البلد الأمين ، واستضفت الرّفاء إلى البنين ، ومتّعت بطول السنين . وصلتني البراءة « 324 » المعربة عن كثب اللقاء ، ودنوّ المزار ، وذهاب البعد ، وقرب الدار ؛ واستفهم سيدي عمّا عندي في القدوم على المخدوم ، والحقّ أن يتقدم سيدي إلى الباب الكريم ، في الوقت الذي يجد المجلس الجمهوري لم يفض حجيجه ، « 325 » ولا صوّح « 326 » بهيجه ، ويصل الأهل بعده إلى المحل الذي هيأته السعادة لاستقرارهم ، واختاره اليمن قبل اختيارهم ، والسلام . ثم لم يلبث الأعداء وأهل السّعايات أن خيّلوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان ، واشتماله عليّ ، وحرّكوا له جواد الغيرة فتنكّر . وشممت منه رائحة

--> ( 322 ) أنجد ، وأتهم : دخل نجدا ، وتهامة . ( 323 ) مطرح الاغتراب : المكان البعيد عن الأهل والعشيرة . ( 324 ) البراءة في مصطلح المغاربة والأندلسيين : الرسالة كيفما كان موضوعها . ولا يتقيدون فيها بالمعنى اللغوي للبراءة . ( 325 ) الإفاضة : الدفع في السير بكثرة . والحجيج : جمع حاج ؛ يريد قبل أن يتفرق رواد المجلس السّلطاني من أهل الدولة . ( 326 ) صوّح النبت : تم يبسه .